شكيب أرسلان
190
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
قائمات على رأسه ، ساعيات في خدمته . فرحب بي وسألني عن قصدي ، فعرفته وجهه ، وأشرت إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه ، وفيهن كانت حاجتي فتبسم وقال بلسانه : ما أسرع ما طمعت في من عرضناه لك ! أعرض عمن هنا ، وتعرض لمن شئت ممن سيّرته لحصنى ، من سبيى وأسراى ، من أقار بك في من شئت منهم . فقلت له : أما الدخول إلى الحصن فلا رأى لي فيه ، وبقربك أنست ، وفي كنفك اطمأننت ، فسمنى ببعض من هنا ؛ فانى أصير إلى رغبتك ، فقال : وما عندك ؟ قلت : العين الكثير الطيب ، والبز الرفيع الغريب . فقال : كأنك تشهّينى ما ليس عندي ! يا باجه - ينادى بعض أولئك الوصائف ، يريد يا بهجة ، فغيّره بعجمته - قومي فأعرضى عليه ما في ذلك الصندوق . فقامت إليه ، وأقبلت ببدر الدنانير ، وأكياس الدراهم ، وأسفاط الحلى ، فكشفت ، وجعلت بين يدي العلج ، حتى كادت توارى شخصه . ثم قال لها : أدنى إلينا من تلك التخوت ، فأدنت منه عدة من قطع الوشى والخز والديباج الفاخر ، مما حار له ناظرى ، وبهت ، واسترذلت ما عندي . ثم قال لي : لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذّ به . ثم حلف بآلهه : إنه لو لم يكن عندي شئ من هذا ثم بذل لي بأجمعه في ثمن تلك ، ما سخت بها يدي ، فهي ابنة صاحب المنزل ، وله حسب في قومه ، اصطفيتها لمزيد جمالها لولادتى ، حسبما كان قومها يصنعون بنسائنا نحن ، أيام دولتهم ، وقد ردّت لنا الكرة عليهم ، فصرنا في ما تراه ، وأزيدك بأن تلك الخود الناعمة - وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى ناحية - مغنّية والدها ، التي كانت تشدو له على نشواته ، إلى أن أيقظناه من نوماته . يا فلانة ، يناديها - بلكنته - : خذي عودك فغنى زائرنا بشجوك . قال : فأخذت العود وقعدت تسويه وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها ، فتسارق العلج مسحه ، واندفعت تغنى بشعر ما فهمته أنا ، فضلا عن العلج ، فصار من الغريب أن حثّ شربه عليه ، وأظهر الطرب منه . فلما يئست مما عنده ، قمت منطلقا عنه ، وارتدت لتجارتى سواه ، واطلعت لكثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم على ما طال عجبي به فهذا فيه مقنع لمن تدبّره ، وتذكر لمن تذكّره !